عبد الملك الجويني
296
الشامل في أصول الدين
وأما ما ذكره السائل من التعرض لإثبات يدين للّه تعالى ، فأقرب شيء يدفع السؤال أن نقول : قد حمل كثير من أئمتنا اليدين على القدرة ، وربما نرتضي ذلك على ما سيأتي ذكره في الصفات إن شاء اللّه تعالى . فقد اندفع السؤال على ذلك ، وكذلك السؤال عن تعلق الأمر ببعض المأمورات يندفع بطريقة لبعض مشايخنا . وذلك أنه قال : إنما يتصف الكلام بكونه أمرا فيما لا يزال ، فهو راجع إلى صفات الأفعال ، ولا يستبعد فيها الاختصاص ، فاندفع السؤال . وإنما لم نستقصي الجواب على سائر المذاهب ، لعلمنا بأنه مستقصيا في موضعه إن شاء اللّه . فقد استمرت الدلالة ، واندفعت عنها الأسئلة . ومما تمسك به بعض الأئمة أن قالوا : تبدل المحاذيات يتضمن تبدل الأكوان ، كما أن تبدل المماسات يتضمن تبدل الأكوان ، وهذا يقوى جدا على مذهب مثبتي المماسة . والكرامية قائلون بالمماسة على ما حكينا من مذهب شيخنا في الأكوان . ومن أصلهم أن المماسة تزيد على الكون الذي يوجب تخصيص الجوهر بحيز ، فنقول لهم : إذا اقتضى تبدل المماسات تعاقب المعاني على الجوهر المستقر في حيزه ، فكذلك إذا تبدلت المحاذيات لزم من تبدلها تعاقب الحوادث على الجوهر المستقر في حيزه . وهذا ظاهر بالغ على مذاهب الخصوم . ومن أصل الأستاذ أبي إسحاق : أن تبدل المحاذيات كتبدل المماسات ، والكرامية وإن قالوا : إن ذات الرب سبحانه - وتعالى عن قولهم - تقبل الحوادث ، فلا يقولون : إنه يقبل الأكوان الحادثة . فهذا الذي ذكرناه عمد الأدلة . وقد ذكر بعض الناس طرقا في إثبات نفي الجهة ، لا نرتضيها ، ولا معنى للإطناب بذكرها وإفسادها . ولكن مما عم على الألسنة التعلق به ، وهو غير مرضي عند المحصّلين ، أن القائل منا إن يقول الجهات [ فهو ] يعبر بها عن الموجودات . ولقد كان القديم تعالى في أزله ولا جهة له ، فهو فيما لا يزال على ما كان عليه في أزله ، وهذا مدخول علينا . وللخصم أن يقول : لو خلق اللّه تعالى جوهرا فردا ، لكان من قولكم إنه متحيز على تقدير لو وجد غيره لكانا قريبين أو بعيدين . قالوا : فهذا أصلنا في القديم تعالى ، والأولى التمسك بما قدمناه من الأدلة القاطعة . شبه المخالفين ومما استدلوا به أن قالوا : قد ثبت أن القديم تعالى قائم بنفسه ، والجوهر قائم بنفسه ومن حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين ، متلابثين ، أو متباعدين . واستشهدوا في ذلك بالجوهرين ، وعضدوا شبههم بأن قالوا : معولنا في الرد على الدهرية